ابن قيم الجوزية
194
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
نظر إليها ملأت قلبه سرورا . وكلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤا منظوما ومنثورا . وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نورا * وإن سألت عن السن فأتراب في أعدل سن الشباب . وإن سألت عن الحسن فهل رأيت الشمس والقمر . وإن سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور ، وإن سألت عن القدود فهل رأيت أحسن الأغصان . وإن سألت عن النهود فهن الكواعب نهودهن كألطف الرمان . وإن سألت عن اللون فكأنه الياقوت والمرجان * وإن سألت عن حسن الخلق فهن الخيرات الحسان * اللاتي جمع لهن بين الحسن والإحسان * فأعطين جمال الباطن والظاهر * فهن أفراح النفوس وقرة النواظر * وإن سألت عن حسن العشرة ولذة ما هنالك فهن العرب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبعل التي تمتزج بالروح أي امتزاج . فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها . وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها . وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة * وإن حاضرته فيا لذة تلك المعانقة والمخاصرة . وحديثها السحر الحلال لو أنه * لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي حدثت * ود المحدث أنها لم توجز وإن غنت فيا لذة الأبصار والأسماع . وإن آنست وأمتعت فيا حبذا تلك المؤانسة والإمتاع . وإن قبلت فلا شيء أشهى إليه من ذلك التقبيل . وإن نولت فلا ألذ ولا أطيب من ذلك التنويل * هذا وإن سألت عن يوم المزيد وزيارة العزيز الحميد ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه . كما ترى الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه . وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد . من رواية جرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد . فاستمع يوم ينادي المنادى يا أهل الجنة إن ربكم تبارك وتعالى يستزيركم فحي على زيارته فيقولون سمعا وطاعة . وينهضون إلى الزيارة مبادرين . فإذا بالنجائب قد أعدت لهم فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعدا . وجمعوا هناك فلم يغادر الداعي منهم أحدا . أمر الرب تبارك وتعالى بكرسيه فنصب هناك ثم نصبت لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة . وجلس أدناهم وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء . على كثبان المسك ما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمأنت بهم